وقد ازدهرت مدينه فوه في العصر الاسلامي نتيجة لعاملين أساسيين اولهما وهو العامل الاداري :-
ففي خلال العصر الفاطمي ومع التغيرات الادارية التي طرأت في زمن المستنصر بالله مع دمج الكور الصغرى في عدد أقل من الكور الكبري تبرز مدن جديدة متطورة عن اصلها السابق كقري ولعلها كانت من قبل الفتح العربي مدنا ثم استعادت سابق عهدها حين تصبح قصبات للكور الكبرى مثال ذلك مدينه فوه وكذا دمنهور الوحش .
أما في العصر الايوبي فيذكر المقريزي " وأما منذ ايام صلاح الدين يوسف بن ايوب فان اراضي مصر كلها صارت تقطع للسلطان وأمرائه وأجناده " أما عبرة فوه المزاحمتين وجزيره بني نصر طبقا لما ورد فى روك صلاح الدين عام 572 هــ كان مقدارها 646 و 112 بالدينار الاقطاعي وقد تأثرت فوه فى العصر الايوبي بالصراع الاسلامي الصليبي الحربي فانه على الرغم من تركز الصراع الحربي على الجبهه الشمالية الشرقية للدلتا إلا أن فرع رشيد قد اتخذ طريقا لاحدي الحملات الصليبية الحربية التي سلكته حتي فوه سنه 600 هـ حيث أقامت عده أيام تنهب المدينه ويذكر الذهبي عن هذه الحادثة مايأتي ( فيها " أي سنة هـ " دخلت مراكب الفرنج الي فوه فاستباحوها ورجعوا ) وقد تلي الروم الصلاحي الروك الحسامى سنه 617 هـ في سلطنه حسام الدين لاجين ثم الروك وقد تناوله المقريزي بشي من التفضيل فيذكر أن الملك الناصر محمد بن قلاوون رأي في سنه 715 هـ أن اقتطاعات المماليك البرجية كثيرة ففكر هو والقاضي فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيش ان يروك البلاد وتقسيمها الى قطاعات ...) وطبقا للروم الناصري تحولت الكور الى اعمل كان منها عمل فوه والمزاحمتين وعدد نواحيه 16 مساحته بالفدان الاقطاعي 12,927 بالفدان الحديث 18,248 والعبرة المقدرهة على الاقليم 56,846 بالدينار الاقطاعي .
ويحدد لنا القلقشندي عمل فوه والمزاحمتين قائلا ( وهو ماجاور خليج الاسكندرية من جهة الشمال الى البحر الرومي بعضه بالبر الشرقي من النيل وليشس بها ولايه وانما يكون بها شاد خاص يتحدث فى كثير من امور الولايه وهي فى الحقيقة كاخميم مع قوص ) .
وقد ريكت البلاد في عهد السلطان شعبان فى ( شوال سنه 777 هـ مارس 1376 م ) وقد أفراد له ابن الحيعان كتابا خاصا أسماه ( التحفه السنية بأسماء البلاد المصرية ) ذكر فيه اقاليم مصر وما بها من بلدان مرتبة على حروف المعجم ومن الاقاليم التي ذكرها ابن الجيعان اقليم فوه والمزاحمتين والبلاد التي تتبع هذا الاقليم وهي اتفينه – الجزاير – العطف – المعلفية – بورنباره – جزيرة الذهب – حوض الخولي – والبسقيل – دماليج – ديبي – بيشا – سنديون – محله العلوي – محله الامير – منية بني مرشد –منية حماد – نطوبس الرومان وعند الأخيرة يقول ( وهذا آخر اقليم فوه ) وطبقا لما ورد في التحفة السنية نستطيع ان نضع تصورا لاقليم فوه والمزاحمتين في العصر المملوكي .
هذا واستمرت فوه في العصر العثماني كمركز أدارى , وفي سنة 1826 م أنشئ قسم بلاد الارز غربا وجعلت فوه مقرا له لأنها اكبر قراه وأعمرها , وفي سنة 1871 م سمي مركز فوه لوجود المركز بها وكانت في ذلك الوقت تتبع مدرية الغربية وعندما انشئت محافظة كفر الشيخ صارت احدي مدنها .
العامل التجاري :-
لعب العامل التجاري دورا مهما في ازدهار مدينة فوه في العصر المملوكي بصفة خاصة , فقد اهتم سلاطين المماليك بالتجارة والتي كانت تمثل موردا هاما من موارد الاقتصاد المصري في ذلك العصر , وكان السلاطين يصدرون بين وقت وآخر مراسيم تحث نظار الثغور على معاملة التجار معاملة حسنة , وتشمل هذه نصائح وتوجيهات ومنها مراسيم صادرة من السلطان قلاوون , ومن المراسيم الصادرة من السلطان المملوكي لناظر ثغر الإسكندرية وفوه والمزاحمتين مرسوم نصه كما يلي :-
" الحمد لله الذي أصحك الثغور بعد عبوسها , ورد لها جمالها وأنار افقها بطلوع شموسها , وأحيا معالم الخير فيها , وقد كادت ان تشرف على دروسها , واقام لمصالح الامه من يشرق وجه الحق ببياض آرائه وتلتذ الاسماع بتلاوته او صافه الجميلة , حمد من اسبغت عليه النعماء وتهادت اليه الآلاء وخطبته لنفسها العلياء . . . ولما كان المجلس السامي القاضي الأجل , الصدر , الكبير الرئيس الأوحد ذخر الدوله رضي الملوك والسلاطين الحسين بن القاضي زكي الدين أبي القاسم – ادم الله رفعته – رسم بالأمر العلي المولوي , السلطاني الملكي , أن يفوض اليه نظر الاسكندرية المحروس ونظر متاجره , ونظر زكواته ونظر صادره , ونظر فوه والمزاحمتين فيقدم خيره الله تعالي ويباشر هذا المنصب المبارك بعزماته الماضيه وهممه العالية ويقرر قواعده بعالى همته , ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره واستخراج زكاته وتنميه متاجره , ومعاملة التجار الواردين اليه بالعدل والرفق الذي كانوا ألفوا منه , والرفق الذي نقلوا أخباره الساره عنه , فانهم هايا البحور , ودوالية الثغور ومن ألسنتهم يطلع ماتجنه الصدور , واذا بذر لهم الحب الاحسان نشروا له أجنحة مراكبهم وحاموا عليه الطيور , ولايسلك بهم حالة توجب لهم القلق والتظلم والمقت , وليواصل بالحمول الي بيت الله المعمور , وليملأ الخزائن السلطانية من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل مايستغنى به عن الواصل في البرور والبحور , وليصرف همته العالية الي تدبير أحوال المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالهم وتنمى " كما انشأوا العديد من الوكالات والفنادق والخانات لراحه التجار .
وقد قسم الباحثين المدن الاسلامية الى نوعين رئيسيين من المدن :-
مدن ذاتية نمت وتطورت عبر فترات تاريخية طويلة لعدة ظروف تتعلق بموقعها الجغرافي ومكانتها التجارية لكونها على طرق النقل والتجارة ومن هذا النوع من المدن مينة فوه نستعرض الظروف المتعلقة بموقع مدينة فوه الجغرافي وموقعها على طرق النقل والتجارة أما النوع الثاني من المدن المخلوقة كان انشاؤها مرتبطا بأمر من الدولة أو الأميركي تكون عاصمة للدولة أو مقر للأمير وقد يرتبط وجود هذه المدينة بالدولة او الأمير كسامرا وبغداد والزهره وقد جاء ازدهار مدينة فوه في العصر المملوكي عقب حفر خليج الاسكندرية فيذكر المقريزي " انه حسن للسلطان الناصر محمد بن قلاوون وذكر له ما فى ذلك من منافع أولهما الغلال وأصناف المتجر الى اسكندرية في المراكب وفي ذلك توفير للكلف وزيادة في مال الديوان وثانيها عمارة ما على جانبي الخليج من الاراضي بانشاء الضياع والسواقي فينمو الخراج بهذا نموا كبيرا وثالثها انتفاع الناس به فى عمارة بساتينهم وشرب مائه فأعجب بذلك السلطان " وأمر بحفر خليج الاسكندرية من بحر فوه فى مدة أربعين يوما عمل فيه فوق مائة الف رجل من اهل النواحي فاستجد عليه هدة سواقي وعمرت هناك الناصرية ونقل اليها المقداد بن شماس بأولاده وعدتهم مائة ولد ذكر واستمر الماء طول السنة بخليج الأسكندرية وكان أول من حفر خليج الاسكندرية الاسكندر ليمد مدينة الاسكندرية بالمياه وكان الخليج يبدأ فمه الى الشمال من فوه وتغير فم الخليج أربعة مرات حتي عصر الناصر والجزء الجديد يمتدد من العطف على الشاطئ الغربي لمدينة فوه حتي يلتقي بمجري الخليج القديم عند كفر الحمايدة ( شمال دمنهور ) وسمى هذا الجزء الجديد الخليج الناصري ومن الاسباب التي دفعت الناصر محمد بن قلاوون الى حفر الخليج الناصري بالأضافة الى ما ذكره المقريزي :-
1- العيوب الملاحية لمصب رشيد في البحر وهو مأكد الجغرافيين المسلمين حيث يذكر البكري وهو يصف الطريق من رشيد الى اسكندرية ( وتيسر من مدينه رشيد الى مصب النيل في البحر وهو موضعنا مخوف على السفن , فأن أمواج البحر تعظم هنا مع قوة جريان النيل فيثير ذلك أكوام رمال تحت الماء فربما حمل شدة جريان الماء السفن الى تلك الرمال فهلكت ) وقد ذكر أبوالفدا عن هذا المصب " ان السفن تخافه عند طلوعها منه من البحر " مما عزز ضرورة حفر خليج جانبي من الاسكندرية الى فرع النيل الغربي لنقل البضائع عن طريق السفن فيه الى القاهرة .
2- فضلا عن ذلك فقد اتخذت مدينة رشيد فى العصر الايوبي والمملوكي صفة حربية نتيجه الحروب الصليبية وتعرض السواحل الشمالية لمصر لهجمات القراصنة وقد اقام بها المماليك العديد من المنشآت الحربية منها قلعة قيتباى وأما فوه فهي تبعد عن الساحل بمقدار يجعلها في مأمن من الهجمات الحربية الا فيها ندر
3- امداد مدينه الاسكندرية بمياه النيل العذبة وخاصة وأن الخليج قد أهمل وردم قبل عهد الناصر ويذكر عن ذلك شهاب الدين يحيى بن فضل الله العمري ت 749 هـ مايلي :
" والاسكندرية لها بحر خليج من النيل تصل فيه المراكب من مصر اليها ومنها الى مصر وفي أوان زيادة النيل يمتلئ هذا الخليج ويمتد الى صهاريج داخل المدينة معدة لختزان الماء بها لشرب أهلها نافذة من بعض الدور الى بعض يمكن النازل الى صهريج منها الصعود من أي دار اختار وتحت تلك الصهاريج الآبار عليها طبقة الصهاريج عليها طقة البناء " .
وظل الماء يجري في الخليج طيلة العام الى مابعد 770 هـ حيث انقطع دخول الماء فيه الا ايام الزيادة وذلك أمر لأشرف برسباي بحفره في سنه 826 هـ وانتهى ذلك في تسعين يوما وكانت فوه في القرن 15 م مستودعا للتجارة التي كانت بين الاسكندرية والقاهرة حيث تأتى القوافل من داخل افريقيا وبلاد العرب وبالاضافة الي ذلك فيمكن اعتبار موقع فوه من مواقع المعابر باعتبار وجود جزيرتها التى تقترب بين ضفتي النهر ووجود المعدية ايضا التي ترتبط بين الطريق البري في وسط الدلتا وغربها وصارت الحركة التجارية بين الاسكندرية وفوه والقاهرة فازدهرت المدينة وليس أدل على ازدهارها ماورد بالمرسوم الرخامي بقبة أبو النجا بفوه والذي يرجع الي عصر السلطان الأشرف برسباى فقد ذكر فيه عبارة ( فوه الثغر المحروس ) وكذلك عددت فيه بعض أسماء طوائف التجار بالمدينة مثل الحمويين والحلبيين وغيرهم ويذكر الرحالة بلون عن مدينة فوه في القرن الخامس عشر أنها كانت في غاية العمارة والرواج التجاري حتى أنها كانت تعد أعظم المدن المصرية بعد القاهرة وأرجع أن السفن كانت ترسو في مدينة فوه في الجزء الشمالي منها الممتد من مسجد القناوي الى مسجد أبو النجاة علي شاطئ النيل وذلك لثلاثة اسباب وهي : -
1- صعوبة رسو السفن عند منحدر التل الأثري في النصف الجنوبي من المدينة بينما النصف الشمالي أرض منبسطة يسهل اقامة أرصفة بها . وكذلك شحن وتفريغ السفن من البضائع .
2- الارتفاع الشاهق لمئذنتي القناوي وأبو النجا وخاصة مع كثرة مساجد مدينة فوه ومآذنها لبعضها البعض بل لقد وصل ارتفاع مئذنة مسجد أبو النجاه (تهدمت) عن أرض الجامع 80 متر ومن الطريف أنه يخرج من الهلال النحاسي الذى يعلو قبة أبو النجاه عمود حديدي يحمل سهما من الخشب لتحديد اتجاه الرياح ومازالت بقايا هذا السهم موجودة .
3- المرسومان الرخاميان المثبتان في جدار قبة أبو النجا وكلاهما يتعرض في موضوعه للحركه التجارية بالمدينة في العصر المملوكي .
وقد انتشرت معاصر الزيتون وطواحين الغلال بفوه في العصر المملوكي , كما ذكر المقريزي في خططه أنها اشتهرت بانتاج الورق الذي عرف بالورق الفوي وذكر ايضا في كتابه السلوك في معرفة دول المملوك أنه كان بها دار لضرب الفلوس النحاسية ( نوعا من العملات )
ولكن دوام الحال من المحال فيذكر على باشا مبارك في خططه ( . . . ثم لما أهمل خليج اسكندرية وكثر طميه تعطل سير السفن وتحولت التجارة عنه وصارت تتبع فرع رسيد الى الاسكندرية من المالح فكان ذلك سببا في ثروة رشيد وعمارتها وتقهقرت مدينه فوه ) ونقل قناصل أوروبا مقارهم نتيجة لذلك وقد كانوا من قبل يقيمون في فوه ) وليس معني تحول التجارة عن فوه الى رشيد في العصر العثماني أن أهملت في ذلك العصر فقد أنشأ الوزير سيمين على باشا عام 956 هـ / 1549 م عددا من الخانات بفوه .
ويصف العالم الفرنسي سواري ماآل اليه الحال فوه في القرن 18م (1777م) وهو قد ساح في مصر فقد رأي أغلب حارات المدينة متعطلة عن الحركة وتهدم أكثر مبانيها وحصل الخراب في مساجدها ولم يكن بها اذ ذلك غير قليل من السكان .
ولم تزل فوه تتقلب في الحوادث مرة تتقدم ومرة تتأخر ففي عهد محمد على وخلفاؤه ازدهرت مدينة فوه مرة أخري بعد ان قام محمد علي بأنشاء ترعه للملاحة تسير فيها السفن المشحونة بالغلال وغيرها من منتجات البلاد الى الاسكندرية عن طريق فرع النيل الغربي دون أن تمر ببوغاز رسيد لكثرة مايقع فيه من حوادث الغرق وحفرت الترعة في نفس مجري خليج الاسكندرية مع بعض التعديلات الطفيفة وسميت الترعة باسم المحمودية تيمنا بالسلطان محمود الثاني ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل لقد أنشأ محمد على بفوه العديد من المنشآت الصناعية منها مضرب للأرز تدير الثيران مدقاته ومصنع للطرابيش وآخر لغزل القطن وقد جددت العديد من مساجد فوه في عهده وعهد خلفائه وسوف يأتي تفصيل ذلك في حينه .
ومازالت بعض شوارع مدينة فوه تحتفظ بأسمائها القديمة مثل شارع ساحة الغلال وداير الناحية وشارع سوق الديوان وشارع النحاسين .
علاقة مدينة فوه بالاقليم المحيط بها :-
لمدينة فوه ظهير زراعي سواء فيها حولها من أراضي زراعية أو ما هو موجود بالشاطئ الغربي من النيل المقابل لها من أراضي زراعية وتنتشر بهذه الأراضي العديد من القرى ويبدو من مصادر العصر المملوكي أن الريف المصري قد عرف الاسواق الدورية التي كانت تقام في يوم معين من الاسبوع لبيع السلع الزراعية التى يأتي بها الفلاحين الى تلك الاسواق وسوق مدينة فوه يوم السبت ومما كان يباع فيه في القرت التاسع عشر حسب ماذكر محمد فكري الطير في ايام وجوده كالبلبول والشرشير والخضارى .
وقد ازداد تعداد سكان فوه في فترة من الفترات التاريخية زيادة كبيرة وذلك نتيجة لانتقال أهالي رسيد اليها أما عن سبب انتقال سكان رشيد الى فوه فيرجع أساسا الي عامل طبيعي ويفسر البكري هذا العمل فيقول هذا العمل "رشيد مدينة على كثيب رملي عظيم متهيل (مهيل) فاذا هبت الرياح الغربية ( الرياح الشمالية الغربية هي السائدة في المنطقة ) وهي تشتد عندهم , ملأت عليهم سككهم وبيوتهم رملا , فلا يقدرون على التصرف في اسواقهم , ويضيف الوطواط (718هـ) أن أهالي رشيد ينقلون منازلهم كل حين هربا من الرمال ( التكوينات الرملية الواقعة غربي المدينة وجنوبها ) لكي لا يطمهم كما طم الفرما ولقد تجاوزت آثار هذه التكوينات مجرد الهبوب أو تغيير المنازل الى تدهور المدينة حين غلب عليهم الرمل فطمها مرارا عدة فانتقل أهلها الي فوه ولهذا فحين ينقل الدمشقي كور الدلتا عن المسيحي يذكر كورة رشيد وقراها 14 يدرج في النص قوله " كانت رشيد القصبة فغلب عليها الرمل فانتقل أهلها الى فوه التى صارت القصبة " هذا عن علاقة فوه بالإقليم المحيط بها .
|